ابراهيم بن عمر البقاعي
298
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ويكون لحث أو منع ، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه الذي فعل ما يغضب الزاجر ، فلذلك سمى الصيحة زجرة . ولما كان هذا الكلام مؤذنا بالغضب ، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا لهم بمحل البعد وتعميما لغيرهم ، فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفاجأة : فَإِذا هُمْ أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء يَنْظُرُونَ * أي في الحال من غير مهلة أصلا ، ولا فرق بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا ، ومن هو بين ذلك ، ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : إذا قبض الروح تبعه البصر « 1 » . وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في الكفار من قتلى بدر : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم « 2 » . وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاورة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها « هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة » أخذ ورقها في الحال في الذبول - فاللّه أعلم ما سبب ذلك . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 20 إلى 28 ] وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ ( 20 ) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 21 ) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع ، عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان ، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا فقال : وَقالُوا أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل : يا وَيْلَنا أي يا من ليس لنا نديم غيره هذا يَوْمُ الدِّينِ * أي الجزاء لكل عامل . ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به ، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول : هذا يَوْمُ الْفَصْلِ أي الذي يفصل فيه بين
--> ( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 297 ومسلم 920 وأبو داود 3118 والنسائي في الفضائل 180 والطبراني 23 / ( 712 ) وابن حبان 7041 والبيهقي 3 / 384 عن أم سلمة رضي اللّه عنها . ( 2 ) أخرجه البخاري 3976 عن أبي طلحة رضي اللّه عنه . وأخرجه أحمد 3 / 104 و 182 و 263 ومسلم 2874 وابن حبان 6498 عن أنس رضي اللّه عنه .